عبد الفتاح عبد المقصود

115

في نور محمد فاطمه الزهراء

قد يترجم إلى ضعفٍ ، في زمنٍ كان الناس يرون بدانة الأنثى علامة الصحّة ، وآية الجمال . أفعجب لو ملأتهم عندئذٍ الشفقة على « الزهراء » إذ يظنّون أنّها واهية البنيان ؟ إنّ عودها نحل كأنّما يشفي على الضمور ؟ وإنّ لونها شفٌّ كأنّما يوشك أن يكون الشحوب « 1 » ؟ وإنّ صوتها خفت كأنّما يهمّ أن يذوب ؟ بل لا حيلة لهم فيما يخالون ، وكان الحبّ وراء كلّ ما يخالون ، أمامه تسرح تهاويل الأحداس ، وشطَحَات الظنون . فعن خشيةٍ عليها من الوهي كان وهم كلّ واهم ، وعن رأفةٍ بها كان خوف كلّ مشفق ، وعن انعطاف إليها كان قلق كلّ جزوع . كان إيثارهم لها كأُسطورة ، وحد بهم فريضة ، واهتمامهم نفث الأنفاس . فليس الحبّ بشعور منقطع عمّا عداه من أحاسيس ، ليس عاطفة سطحية أُحادية العنصر والتكوين ، ليس شاغل القلب دون الفكر والضمير والخيال ، لكنّه عاطفة عميقة ، متراكبة الطباق ، عديدة الجوانب ، ذات عروض وأطوال ، وأبعاد وأغوار . إنّه يحمل من يعيشه على استيقان النظائر والأضداد في آن ، يريه بعين الخيال ما لا يُرى بعين الحال ، يثير فيه من الشغف مثلما يثير من الخوف ، يحرّك بقلبه الشوق كما يحرّك الإشفاق . والإشفاق من الشفقة ، والشفقة بنت القلق ، والقلق باطنه تهيّب ، وظاهره تأرجح نفسي بين اليأس والرجاء ، هو رحلة بين المحال والممكن ، وهو مسيرة على طريق ، أحد طرفيه عَتَم « 2 » مرهوب يكاد يُغِير بظلامه على نور الحاضر المضيء ، والآخر وضح مرغوب ينتظره التفاؤل وإن كان لا يعيش إلّافي غدٍ غائرٍ في خفايا الغيوب . * * *

--> ( 1 ) . الشاحب : المتغيّر . ( 2 ) . العَتَم : ظلمة الليل . وضدّه الوضح : نور النهار .